العيني
33
عمدة القاري
فكأنه قيل : تسعة أنفسٍ ، والفرق بين الرهط والنفر : أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة ، أو من السبعة إلى العشرة ، والنفر من الثلاثة إلى التسعة ، ولا يخفى مخالفته لما في ( الصحاح ) . قوله : ( فأدبر ) من الإدبار ، وهو التولي . قوله : ( فأوى إلى الله ) بالهمزة المقصورة . وقوله : ( فآواه الله ) بالهمزة الممدودة ، ويقال بالمقصورة أيضاً ، وقال القرطبي : الرواية الصحيحة قصر الأول ومد الثاني : وهو المشهور في اللغة ، وفي القرآن : * ( إذ أوى الفتية إلى الكهف ) * ( الكهف : 10 ) بالقصر ، * ( وآويناهما إلى ربوة ) * ( المؤمنون : 50 ) بالمد . وقال القاضي : حكى بعضهم فيهما اللغتين : القصر والمد ، والمشهور الفرق وفي ( المطالع ) قوله : ( فأوى إلى الله ) مقصور الألف ، فآواه الله ، ممدود الألف هذا هو الأشهر فيما رويناه . وقد جاء المد في كل واحدة منهما ، والقصر في كل واحدة منهما ، لكن المد في المتعدي أشهر ، والقصر في اللازم أشهر ، ومعنى : آواه الله : جعل الله له فيه مكاناً وفسحة لما انضم إليه ، أعني مجلس النبي ، عليه الصلاة والسلام . وقيل : قربه إلى موضع نبيه ، عليه الصلاة والسلام ، وقيل : يؤويه إلى ظل عرشه . وقال الجوهري : أوى فلان إلى منزله يأوي أوياً ، على فعول ، وآويته إيواءً وأويته : إذا أنزلته بك . فعلت وأفعلت بمعنى . بيان الإعراب : قوله : ( بينما ) قد مر غير مرة أن : بينما ، أصله : بين ، زيدت فيه لفظة : ما . وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلى الجملة ، وفي بعض النسخ : بينا ، بغير لفظة : ما ، وأصل : بينا ، أيضاً بين ، فاشبعت فتحة النون بالألف ، والعامل فيه معنى المفاجأة المستفادة من لفظة : إذ أقبل ، وقد قلنا : إن الأصمعي لا يستفصح مجيء إذا وإذ في جواب بين . قوله : ( هو ) ، مبتدأ و : جالس ، خبره . وقوله : ( في المسجد ) حال ، كذا قوله : ( والناس معه ) جملة حالية . قوله : ( إذ أقبل ) جواب : بينما . وقوله : ( ثلاثة نفر ) فاعل أقبل . قوله : ( وذهب واحد ) ، جملة فعلية عطف على قوله : ( فأقبل اثنان ) . قوله : ( فوقفا ) عطف على قوله : ( أقبل اثنان ) قوله : ( فأما ) ، كلمة : اما ، للتفصيل ، و : أحدهم ، مرفوع بالابتداء وخبره : فرأى فرجة ، وإنما دخلت : الفاء ، لتضمن : اما ، معنى الشرط . وإنما أخرت إلى الخبر كراهة أن يوالى بين حرفي الشرط والجزاء لفظاً . قوله : ( فجلس فيها ) عطف على قوله : ( فرأى ) ، والكلام في إعراب : ( وأما الآخر فجلس خلفهم ) ، كالكلام في الأول ، وخلفهم ، نصب على الظرفية ، وكذا الكلام في : أدبر . قوله : ( ذاهباً ) . حال . قوله : ( قال : ألاَ ) جواب لما ، وألا ، حرف التنبيه سواء فيه ما كان المخاطب به مفرداً أو مثنى أو مجموعاً ، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ، و : لا ، للنفي . قوله : ( أما أحدهم ) الكلام في إعرابه ، وفي إعراب : أما ، الثانية والثالثة مثل الكلام في إعراب : أما أحدهما فرأى فرجة . بيان المعاني : قوله : ( إذ أقبل ثلاثة نفر ) : اعلم أن ههنا إقبالين : أحدهما : إقبالهم أولاً من الطريق ، أقبلوا ودخلوا المسجد مارين ، يدل عليه حديث أنس رضي الله عنه : ( فإذا ثلاثة نفر يمرون ) ، والآخر : إقبال الاثنين منهم حين رأوا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الثالث فإنه استمر ذاهباً . وبهذا التقدير سقط سؤال من قال : كيف قال أولاً : أقبل ثلاثة ؟ ثم قال : فأقبل اثنان ؟ والحال لا يخلو من أن يكون المقبل اثنين أو ثلاثة . قوله : ( فوقفا ) زاد في رواية ( الموطأ ) : ( فلما وقفا سلما ) ، وكذا عند الترمذي والنسائي ، ولم يذكر البخاري ههنا ، ولا في الصلاة ، السلام وكذا لم يقع في رواية مسلم . ومعنى قوله : ( فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقفا على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو معناه : أشرفا عليه ، ومنه وقفته على ذنبه أي : أطلعته عليه . وقال بعضهم : على ، بمعنى : عند . قلت : لم تجىء : على ، بمعنى : عند ، فمن ادعى ذلك فعليه البيان من كلام العرب . قوله : ( وأما الآخر ) ، بفتح الخاء بمعنى : وأما الثاني ، لأن الآخر ، بالفتح ، أحد الشيئين ، وهو اسم أفعل ، والأنثى : أخرى إلاَّ أنّ فيه معنى الصفة ، لأن أفعل من كذا لا يكون إلاَّ في الصفة . وأما الآخر بكسر الخاء ، فهو بعد الأول ، وهو صفة ، يقال : جاء آخراً ، أي : أخيراً . وتقديره فاعل ، والأنثى آخرة ، والجمع أواخر . قوله : ( فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : عما كان مشتغلاً به من الخطبة ، وتعليم العلم أو الذكر ، ونحوه . قوله : ( أما أحدهم ) فيه حذف تقديره قالوا : أخبرنا ، فقال : أما أحدهم فاوى إلى الله أي : لجأ إلى الله . وقال القاضي : معناه : دخل مجلس ذكر الله . قوله : ( فآواه الله ) ، من باب المشاكلة . والمقابلة ، كما في قوله تعالى : * ( ومكروا ومكر الله ) * ( آل عمران : 54 ) فسمى مجازاته باسم فعله بطريق المجاز ، وذلك لأن الإيواء هو الإنزال عندك ، وهو لا يتصور في حق الله تعالى ، فيكون مجازاً عن لازمه ، وهو إرادة إيصال الخير ونحوه ، فيكون من ذكر الملزوم ، وإرادة اللازم . ويقال : معناه فآواه الله إلى جنته . قوله : ( وأما الآخر فاستحيى ) أي : ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النبي ، عليه الصلاة والسلام ، والحاضرين . قاله القاضي عياض .